الطبراني
52
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
ثم رجعت إلى أبيه وأخبرته بذلك ، فأتاه آزر ؛ قال له : يا أبتاه من ربي ؟ قال : أمّك ؛ قال : ومن ربّ أمّي ؟ قال : أنا ! قال : ومن ربّك ؟ قال : النمرود ! قال : ومن ربّ النمرود ؟ فلطمه ؛ وقال : اسكت ؛ فسكت . ثم أنه خرج بعد ذلك من السرب حين غربت الشمس ، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم فقال : لا بدّ أن يكون لهذه ربّ وخالق ، ثم تفكّر في خلق السماوات والأرض ، وقال : إنّ الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني هو ربي ، ما لي إله غيره . ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ) أي غشيه الليل ؛ رأى الزهرة ؛ ( قالَ هذا رَبِّي . ) ( فَلَمَّا أَفَلَ ) ذلك النجم ؛ قال : لا أحبّ ربّا ليس بدائم . ثم نظر ؛ فرأى القمر طالعا في آخر الليل ؛ ( قالَ هذا رَبِّي ) ، فلما رآه يسري وينتقل من مكان إلى مكان ، علم أنه محدث لا يصلح أن يكون ربّا ؛ ف ( قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ ) طالعة قد ملأت كلّ شيء ، ( قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ ) مما قبله ، ( فَلَمَّا أَفَلَتْ ) جاء إلى قومه فرآهم يعبدون الأصنام ، ف ( قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) . قوله عزّ وجلّ : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ؛ وأظلم أي غطّاه ، والتظلّم ، يقال : يجنّ جنّة الليل ؛ وأجنّه وجنّ عليه ؛ إذا أظلم ، وجنت الميّت وأجنته إذا دفنته « 1 » . وقوله تعالى : رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ؛ في هذا القول ثلاثة أوجه : أحدها : أنه قال هذا ربي في ظنّي ؛ لأنه كان في حال فكرة واستدلال ، وكان في ذلك الوقت مهلة له للتروّي والنظر ، فلما رأى الكوكب في علوّه وضيائه ، قرّر في نفسه على ما ينقسم حكمه من كونه ربّا خالقا أو مخلوقا مربوبا ، فلما رآه طالعا آفلا ومتحرّكا زائلا ، قضى بأنه محدث بمقارنته ، أما ذات الحدث وأنه ليس بربّ ، وأنّ المحدث غير قادر على إحداث الأجسام ، وأن ذلك يستحيل منه ، كما استحال ذلك من نفسه إذا كان محدثا ، فحكم بمساواته له من جهة الحدوث وامتناع كونه خالقا .
--> - الكسائي ) وهو كتاب مما يقتدى به ) ) . ( 1 ) في المخطوط : ( إذا رفته ) وهو تصحيف . وفي اللغة : وجنّ الميّت جنّا وأجنّه : ستره . لسان العرب : ( جنن ) .